“مجنون”يعيد تشكيل النظام العالمي في ظلّ صمت دولي

لم تكن خطابات قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام مجرد كلمات. لقد كانت إعلانات حرب على النظام الدولي نفسه.

في قلب قاعة الجمعية العامة، حيث تُرفع الأعلام وتُقرأ الشعارات، وقف دونالد ترامب الرئيس الأميركي في ولايته الثانية وتحدث بلغة لم تُسمع منذ عقود قائلاً “نحن لا نتفاوض نحن نفرض.”لم يذكر “حل الدولتين” (اسرائيل-فلسطين). لم يطلب وقف إطلاق النار. لم يستشهد بـ”القانون الدولي”. بل قال: “إسرائيل ليست حليفًا،  هي شريك في البقاء. ولن نسمح لأحد أن يهدد أمنها.”

هذا لم يكن خطابًا دبلوماسيًا.كان إعلان نهاية عصر.

حيث لم تعد الولايات المتحدةوسيطابل تحوّلت إلى حليف مطلق،في الماضي، كانت واشنطن تُقدّم نفسها كـ”وسيط نزيه” بين إسرائيل وفلسطين حتى لو كان دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل لا يُنكر. لكن ترامب، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة في نيويورك، أسقط كل الأقنعة.

لم ينتقد العدوان على غزة. ولم يُطالب بفتح المعابر. لم يُدِن المجازروالابادة الاسرائيلية السافرة والمجنونة بحق الشعب الفلسطيني، بل اعتبر ان الدفاع الإسرائيلي “حقًا مقدّسًا”، ووصف أي محاولة لفرض عقوبات على إسرائيل بأنها “هجوم على الحلفاء”.

هذا التحول ليس تغييرًا في السياسة.بل إعادة تعريف للنظام العالمي، إذ منذ عام ١٩٤٨، كانت الأمم المتحدة تُعدّ مسرحًا للقانون الدولي. لكّنها أصبحت اليوممسرحًا لعرض العضلات والقوّة، والأميركيون، بقيادة ترامب، هم من يكتبون السيناريو.في مجلس الأمن، استُخدم الفيتو الأميركي ١٤ مرة منذ سنة ٢٠٢٣ جميعها ضد قرارات فلسطينية.ولم يُبرّر ذلك بـ”التعقيدات” أو “السياق” بل ببساطة”هذا ليس قرارًا نقبله.” فقد “دعس” الرئيس الاميركي الحالي على القانون الدولي الّذي لم يُهمل بل أُعيد تشكيله ليكون أداة لخدمة القوة، لا حارسًا له”. وبذلك أصبحت الامم المتّحدة ملتقى يخضع لمجانين السلطة والقوى العسكرية، خانعة خاشعة رُغما عن ارادة قياداتها حتى ولو أبيدت شعوب بكاملها.

وتحت وطأة الابادات الاسرائيلية بحق الفلسطينيين وصمت العالم، جاءت كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر الفيديو وهو الممنوع أميركيا من دخول الولايات المتّحدة للبقاء على حساب الشرعيّةكأنه رجل يُحاول إنقاذ بقايا حكومة من تحت الركام.فلم يُهاجم إسرائيل، ولم يُطالب بدولة، لكنه دعم الحوار والاستقرار. لم يذكر “حماس” إلا كـ”عقبة” لم يُشِر إلى “المستوطنات” أو “الحصار” حتى “بلع” كلمة “احتلال” ولم ينطق بها، هذا ليس ضُعفًا! انّما استراتيجية بقاءفي عالم حيث تُرفض فيه عضوية فلسطين، وتُقطع المساعدات عن الأونروا، ويُعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولم يعد “الحصول على دولة” خيارًا، لأنّ الخيار الوحيد البقاء ككيان إداري، ولو تحت الاحتلال.

عباس لم يَخُن القضية، لكنّه أدرك أنّها لم تعد مطروحة على الطاولة. وهو قدّم نفسه كـ”شريك وحيد قابل للتعامل معه” ليس لأنه مُحبّب، بل لأنه الوحيد الذي لا يحمل سلاحًا.

هكذا تحوّلت الأمم المتحدة من منظمة دوليّة الى مسرح ضخم أبطاله رؤساء دول العالم ووزراء خارجيتهم، في قاعة الجمعية العامة، تُرفع الأعلام، وتُلقى الخطابات، وتُصوّر الكاميرات كل كلمة، لكن خلف الستار، لا أحد يُصغي.

فمجلس الأمن لا يقترع حيث الفيتو يُستخدم كـ”أداة تفكيك”، وليس للحماية. والقانون الدولي أصبح هزليًّا على مرأى من شعوب الكرة الارضيّة لِيُعاد تعريفه ويكون اختياريًا. فالأمم المتحدة لم تعد مُنظمة، بل تحوّلت الى  معرض فنيّدبلوماسي تعرض الدول نفسها كمنتجات ولا تناقش قضايا، ومن يُعارِض يُهمَّش، يُعزلويُستبعد.

هنا لم ينهار العالم حتى اللحظة بل تغيّر شكله، ولم يُنهِ ترامب النظام الدولي، بل “أعاده إلى جذوره”، ربّما حريّ القول أن مفهوم الجذور هي شريعة الغاب حيث أنّ القوة هي القانون، والولاء هو الشرعيّة، والصمت هو الثمن. الفلسطينيون لم يُنسَوا، لكنهم لم يعودوا “قضيّة”، لأنّ العدالة لم تنزلق، إنّما ضاعت في عالم أصبح مجنونًا، وأصبحوا “مشكلة” تُدار، لا تُحل. والولايات المتحدة لم تَضعف، بل أعادت تعريف قوّتها، ليس بالحوار، بل بالثبات. ليس بالقانون، بل بالضغط. ليس بالعدالة، بل بالتحالف.

والأمم المتحدةلم تعد منظمة انّما هي “مرآة” والمرايا لا تُغيّر الواقع، بل تُظهره كما هو، وفي هذه المرآة، نرى عالماً لم يعد يُؤمن بالقانونبل يُؤمن فقط بالقوةومن يملكها، يكتب المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى